أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
120
التوحيد
وذلك هو الشر ، وأنى لملك الخير ، وهو كله في الخلاص ، وهو غير ممنوع . ثم التناقض أنهم جعلوا التباين بالجوهر فمحال امتزاجهما وهما بالجوهر متباينين وذلك قائم بحاله ؛ إذ هم يرون الامتزاج غيرا . على أنه يقال لهم : الامتزاج أليس بعد أن لم يكن ؟ ، لا بد من : بلى . قيل : أكان هو النور أو الظلمة أو غيرهما ؟ فإن قال : بالأولين ، أحال ؛ لأنه أثبت الامتزاج والتباين لنفسه ، ولو جاز ذلك لجاز وجودهما معا ، وهو بيّن ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم إثباتهم الحد من حيث الالتقاء ، إما إن كانا متماسين في الأزل أو غير متماسين ، فإن كانا متباينين قال : إن تماسا حدثا ، فحدث الجزء يوجب الكل بحق الاستدلال بالشاهد على الغائب ، وإن كانا متماسين فلا بد من أن يزداد أحدهما حتى يمتزج بالآخر أو يحيد من الآخر حتى يدخل في نفسه ، وأيهما كان ففيه زيادة لم يكن أو قطع وإدخال في جوهر ، فيبطل القول بأنه غير متناه ؛ لأنه إذا لم يكن لأجزائه تناه لم يكن للآخر فيه تداخل ليمتزج به ، ثبت أنه متناه إذا احتمل الامتزاج ، مع البعد أن تبقى الظلمة مع كثافتها على النور مع رقته فيقتطع منها ؛ إذ كل ممتلئ بما يلطف من الأشياء لا يتمكن فيه ما يكثف ، ولو كان ذلك من النور فقد اكتسب الشر وألقى نفسه في الحبس مع ثبات الكيف جوهرا واحدا ، وإنما يحد اللطف المنفذ في الكثيف إذا كان من جواهر مختلفة يبقى بينها الفرج ، وأما الذي سبيله ما ذكر فلا ، ولا قوة إلّا باللّه . وإن سبقت بما حدث من الامتزاج بعد أن لم يكن فإما أن كان بأحدهما أو بهما ، وفيه احتمال الحدوث ، فمثله الكل ، أوليس بهما ، ففي ذلك تثبيت ثالث ، أو لأنفسهما كان ، فلزم نفي التباين ، أو تبقى الظلمة بنفسها فلم يكن ذلك الوقت بأولى مما قبله ، وإذا لم يحدث في الجزءين اللذين لم يمتزجا شيء ، وقد وجد ، لم لا كان كذلك في الكل ؟ مع ما لا يخلو من الافتراق ؛ إذ الامتزاج أن يكون بالطبع ، والطبائع لا تنقلب ، فيجب أن يكون أبدا كذلك . وأطنب في نوع الطبائع ، لكنه روي أن الظلمة فعّالة باختيار ، فالقول في الطباع على ذلك فاسد . وأخبر عنهم تحرّك الظلمة إلى أن لقيت النور فدخلت عليه ، إن قالوا : أبدا ما مرّ في كلام الدهر ، وإن قالوا بالابتداء لزم الحدث ، واللّه الموفق . ثم تمام الجهل في قولهم : يتخلصان بما كان من طبع الثقيل الانحدار وطبع الخفيف الارتفاع ، ثم في الابتداء - مع هذا الطبع - قد امتزجا ، فلو لا أن كل واحد منهما على طبع الآخر في الثقل والخفة ما احتمل الامتزاج ، وإذا احتمل دلّ أن الطبعين كانا في كل واحد ، ولا قوة إلّا باللّه .